محمد متولي الشعراوي
1325
تفسير الشعراوى
مثال ذلك الخبز ، إنه رزق مباشر ، والنقود هي رزق ، لكنها رزق غير مباشر ؛ لأن الإنسان قد يكون جائعا وعنده جبل من ذهب ، فلو قال واحد لهذا الإنسان : خذ رغيفا مقابل جبل الذهب . سيعطى الإنسان الجائع جبل الذهب مقابل الرغيف ؛ لأن الإنسان لا يأكل الذهب ، وكذلك كوب الماء بالنسبة للعطشان . إذن فهناك رزق لا يطلب لذاته ، ولكن يطلبه الإنسان لأنه وسيلة لغيره فالوسيلة لغيره أنت لن تحتاج إليها في الآخرة ؛ لأنك ستعيش ببدل الأسباب بقول الحق : « كن » . فالإنسان لن يحتاج في الجنة إلى مال . أو قناطير مقنطرة من الذهب والفضة ؛ لأن كل ما تشتهيه النفس ستجده ، ولن تحتاج في الآخرة إلى خيل مسومة ؛ لأنك لن تجاهد عليها أو تتلذذ وتستأنس بركوبها . وكل ما لا تحتاج إليه في الآخرة من أشياء أعطاها لك اللّه في الدنيا لتسعى بها في الأسباب ، ولم يورده اللّه في قوله : « قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ » لم يوردها في النص الكريم ، لأن عطاء اللّه في الآخرة بالرزق المباشر ، أما الأشياء التي يسعى بها الإنسان إلى الرزق المباشر في الدنيا فلم يوردها لعدم الحاجة إليها في الآخرة ، فنحن نحب المال ، لماذا ؟ . لأنه يحقق لنا شراء الأشياء ، والخيل المسومة نحبها ؛ لأنها تحقق لنا القدرة على القتال والجهاد في سبيل اللّه . والأنعام ؛ لتحقق لنا المتعة . أما الجنة في الآخرة فالمؤمن يجد فيها كل ما تشتهيه الأنفس ، وكل ما يخطر ببال من يرزقه اللّه الجنة سوف يجده ؛ فالوسائط لا لزوم لها . لذلك تكلم الحق عن الأشياء المباشرة ، فأورد لنا ذكر الجنات التي تجرى من تحتها الأنهار ، وذكر لنا الأزواج المطهرة . وعندما نتأمل قول الحق : « قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ » قد يقول قائل : ألم يكن من المنطق أن يخبرنا الحق مباشرة بما يريد أن يخبرنا به ، بدلا من أن يسألنا : أيخبرنا بهذا الخير ، أم لا ؟